جريدة عراقية مستقلة على مدار اليوم والساعة
.

أخبار قلعة سكر

أخبار عامة

ثقافة وأدب

    لقاء مع الشاعر عبدالناصر الجوهري‏ / أجرى الحوار : محمود سلامة الهايشة

     

    س: ما هي بدايتك مع الشعر؟
       حكايتي مع البداية حكاية صدفة، اكتشفتني مُدرسة اللغة العربية وأنا في الصف الثاني الإعدادي، وقالت لي بالحرف الواحد أنت عندك موهبة الشعر، وسألتني هل عندك أحد يرعاك بالبيت؟، فكان ردي لا يوجد أحدٌ أبي رحل لدار البقاء وأمي أمّية تنتبه لهذا، فأشفقت عليّ ثم قدمتني بالإذاعة المدرسية، لم أكن أعلم أني لدي موهبة لولا هذه المُدرسة، هي التي نبهتني لهذا، جزاها الله كل خير. وهذا ليس بغريب على مُدرسي اللغة العربية.

    س: ما هي القصيدة التي كتبتها واكتشفتك من خلالها المُدرسة؟ هل تتذكرها؟
         كانت قصيدة عن الأم، وكتبتها في موضوع التعبير الذي كلفتنا به المُدرسة عن عيد الأم، اخترت كلمات اختلط بها العامية بالفصحى، وكانت هي البداية. ولازلت محتفظ بهذه القصيدة منذ أن كنت في الصف الثاني الإعدادي للذكرى، ثم قمت بعد ذلك بتهذيبها، بعد أن ازدادت خبرتي وأدواتي، لأن لها ذكرى غالية في نفسي.

    س: أنت من مدينة دكرنس، وكما هو معروف أنها عاصمة لمركز ريفي، فهل أثرت عليك البيئة التي نشأة بها في شعرك؟
         لابد أن يتأثر الشاعر بالبيئة المحيطة به، فالإنسان جزءٌ لا يتجزأ من البيئة يتأثر بها وتؤثر فيها، وخير دليل على ذلك كتابتي، وأضرب لك مثال: (كرباجاً خلفك يا حوذي)، كذلك (سأصلي خلفك يا شيخ الشوارع). فهذه المقاطع ناتجة من تأثري بالحارة المصرية، والبيئة الشعبية التي ترعرعت فيها وانحيازي للبسطاء وهذا واضح جدا في قصائدي.

    س: ما هي المسابقات الشعرية التي اشتركت بها؟
         هناك الكثير من المسابقات التي اشتركت فيها سواء داخل مصر وخارجها، والحمدلله فزت بالكثير منها وهي عديدة، ومنها:
    المسابقة الأدبية المركزية لأحسن ديوان فصحى عام 2005 من الهيئة العامة لقصور الثقافة عن ديوان (ماذا جنت العصافير؟)؛ وكان من حُسن حظي تم تعييني بالهيئة العامة لقصور الثقافة بناءً على هذه الجائزة. وهناك جوائز أخرى كثير محلية:
    • جائزة مركز سعد زغلول الثقافي (بيت الأمة) للشعر الفصيح.. وكرمني الدكتور/ عبداللطيف عبدالحليم (أبوهمام).
    • جائزة جمعية الأدباء بالقاهرة.. في شعر الفصحى وتكريم من الشاعر الكبير/ محمد التهامي.
    • جائزة شباب العمال بالجامعة العمالية، وكرمتني الوزيرة/ عائشة عبدالهادي وزيرة القوى العاملة وكرمني أيضا الدكتور/ صفي الدين خربوش رئيس المجلس القومي للشباب.
    • جائزة إدارة ثقافة المرأة، بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وكرمني رئيس الهيئة آنذاك السيد/ أنس الفقي وزير الإعلام المصري حالياً.
    • جائزة مجلة النصر العسكرية، وكرمني آنذاك الدكتور/ جابر عصفور، والدكتورة/ هدى وصفي.
    وهناك الكثير والكثير من الجوائز، ومن الجوائز التي حصلت عليها على مستوى الوطن العربي:
    • جائزة نادي تراث الإمارات للشعر الفصيح لعام 2003.
    • جائزة المربد الأدبية بالأردن على شبكة الإنترنت لعام 2007.
    • جائزة أمير الشعراء – الموسم الثاني عام 2008 بدولة الإمارات العربية المتحدة، وتم اختياري من ضمن أفضل 35 شاعراً بالوطن العربي.

    س: كيف تم اختيارك لمسابقة أمير الشعراء لعام 2008؟، وما هي أجواء المنافسة في تلك المسابقة العربية؟ وهل كانت رحلة ناجحة؟
         تم اختياري من بين 7 آلاف شاعر وشاعرة من 22 دولة عربية، عن طريق إرسال مجموعة من قصائدي إلى لجنة المسابقة، فتم ترشيحي للسفر لكي أشارك في منافسات الجولة الأولى، فحزت على إعجاب لجنة التحكيم وبرنامج أمير الشعراء، فتم تصعيدي للجولة الثانية بجدارة للمنافسة من بين أفضل 35 شاعراً في الوطن العربي للفوز على مسرح شاطئ الراحة بمدينة (أبوظبي) بالإمارات، والحمد لله نلت إعجاب المشاهدين والأدباء بالوطن العربي، وكانت رحلة ناجحة، لأنني كنت اختبر فيها مشروعي الأدبي وهو اهتمامي بالشعر المقروء وليس المسموع، وأعلم أين أنا؟ وأين قدمي بين النخب العربية، كما استفدت أيضا من صداقتي مع بعض الشعراء الذين تعرفت إليهم في هذه المنافسة، أذكر منهم الشاعر الأردني مهند ساري، والشاعر اليمني أمين العقاب، والشاعر الفلسطيني سامح كعوش، والشاعر الإماراتي سعيد المنصوري، والشاعر الموريتاني آدي ولد آدبا، والشاعر المغربي أحمو الحسن، والشاعر المصري الجميل ياسر أنور، وغيرهم كثيرين تعرفت إليهم واستفدت من تجاربهم الإنسانية والشعرية.. ولازالت أتذكر كلمات د.عبدالملك مرتاض الجزائري لي (يا عبدالناصر.. شعرك ليس منبريا ولا خطابيا وقصائدك تعج بالشاعرية المفرطة..) فتأكدت من شاعرية المكتوبة وليست المسموعة.

    س: كيف ولماذا تم فصلك من الهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة؟
         علمت بقرار فصلي من الهيئة من بعض الأصدقاء في مصر عندما كنت أشارك في برنامج أمير الشعراء بالإمارات، وكنت على وشك الانسحاب من المسابقة لولا تدخل بعض الشعراء والأصدقاء العرب، لأني كنت أمثل مصر ولا يجب أن انسحب فأنا أمثل الوطن الغالي، ولا أمثل نفسي، ورغم ذلك تألقت في هذه المسابقة وأبليت بلاءً حسناً، والحمد لله لولا تدخل الدكتور/ أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة الذي أصدر قراراً بعودتي للعمل، واعتبار أيام اشتراكي في المسابقة إجازة بدون مرتب، فتحية لهذا الرجل الوطني دكتور/ أحمد مجاهد.. وأسامح من فصلني لأن التاريخ سيقتص منه.
         كما لا أنسى وقوف الأدباء بجواري كالشاعر الكبير/ سعد عبدالرحمن مسئول الثقافة العامة بهيئة قصور الثقافة، ولا أنسى أيضا الأديب الكبير محمد السيد عيد الذي دعمني كثيراً حتى أكون موظفاً بين حنايا هذه الهيئة.

    س: ننتقل الآن إلى الإصدارات الشعرية، فما هي وكم عدد دواوينك الشعرية؟
         أول ديوان صدر لي كان (الشجو يغتال الربيع) عام 1998، وهو كالعادة على نفقتي الخاصة، ثم الديوان الثاني (حّباتٌ من دموع القمر)، فالثالث مسرحية شعرية بعنوان (الشمس تلملم أسمالها) وهو الإصدار الوحيد الذي أصدرته لي الوزارة، أما الديوان الرابع (لا عليكِ)، الديوان الخامس (المهرجُ لا يستطيع الضحك)، الديوان السادس (لمن تُهدرين شجوني؟)، الديوان السابع (مكلومٌ هدَّه الشوق)، الديوان الثامن (ماذا الآن أُسميكِ؟)، أما الإصدار التاسع فهي مسرحية (في الواق واق) عام 2009.

    س: متى أصبحت عضوا في اتحاد كُتّاب مصر؟
         أصبحت عضواً باتحاد كُتّاب مصر عام 2002، كما أنني صرت الآن عضوا في جمعية الأدباء بالقاهرة، وعضواً باتحاد كُتاب الإنترنت العرب بالأردن، وعضوا برابطة الأدب الإسلامي العالمية، وعضواً في منظمة الكُتاب الأفريقيين والآسيويين، كذلك عضواً في النقابة العامة للصحافة والإعلام.
    س: ما هو أثر الوالدين في الشاعر والإنسان عبدالناصر الجوهري؟
         بالنسبة لأبي ما يزال في ذاكرتي هذا الإنسان الطيب الجميل، الذي اصطدم بمملكة الغيلان، فتعلمت منه الطيبة ولكن طيبتي ليست استسلام، وأيضا تأجيل اصطدامي مع الغيلان والالتفاف من حولهم، وأتحمل مسئوليات أسرتي ولا أضيع من أعول وأن احترس من الأقرباء قبل الغرباء، هكذا تعلمت من الماضي الذي ظل تركه أبي في ذاكرتي، هذا الماضي ظل يطاردني أعواما كثيرة، رحم الله أبي، لم تشفع له طيبته مع الآخرين.
       أما أمي هذه الإنسانة الريفية الجميلة هي علمتني كيف أحب الآخرين وأن أعافر في الحياة وان أهرب إلى الإمام وليس للخلف وأن انتصر لها على طريقتي الخاصة، انتصاراً أدبياً، فكثيراً من كتاباتي أهديها لتلك المرأة التي تحملت عناء الشقاء، ولم أشعر في رحابها باليتم أو الفقد، فلولاها ما استمر مشروعي الأدبي، فقد خففت عني كثيراً وأنقذتني كثيراً من أعباء الحياة، رحم الله والدي وأسكنهم الله فسيح جناته.

    س: ما هي جذور شاعرنا عبدالناصر الجوهري؟
         بالنسبة لجذوري من ناحية الوالد، فقد رحل الجد الأكبر من الشام إلى مدينة السرو بمحافظة دمياط ثم انتقل إلى مدينة دكرنس بمحافظة الدقهلية؛ ثم التقى والدي بفتاة ريفية تتسم على ملامحها تباشير الفطرة، هي أمي الريفية الآتية من قرية “شها” الحبيبة، والتقى الحبيبان، وكنت أنا الابن الثالث لأبواي؛ وأنا من مواليد برج الأسد (شهر يوليو بالتحديد 28 يوليو) فقد ولدت بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عندالناصر بأشهر بسيطة عام 1970.

    س: ما هي الأمور التي تعجبك شاعرنا في المشهد الأدبي المصري؟
         يعجبني وطنية فؤاد حجازي، أستاذ أدب الحرب؛ ويعجبني التوازن الذي يخلقه الأديب الكبير محمد السيد عيد بين المؤسسة الأدبية الثقافية والأدباء؛ وتعجبني إدارة الكاتب الكبير/ محمد سلماوي لاتحاد كُتاب مصر وعشقه للمبدعين في الأقاليم، ويعجبني تواضع الدكتور/ أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة ودعمه للإبداع وللشعراء الشباب، ويعجبني إنسانية وعطاء أستاذي الشاعر/ رفعت المرصفي، وثقافة الدكتور حسام عقل، ويعجبني إخلاص النقاد والشعراء أمثال: أحمد فضل شبلول، عبدالمنعم عواد يوسف، الدكتور/ شريف الجيار، الدكتور/ محمد زيدان، الدكتور/ أيمن تعيلب، الناقد/ صبري عبدالله قنديل، الدكتور/ فوزي خضر، أحمد سامي خاطر، الدكتور/ محمود نسيم، والصحفي الكبير/ حزين عمر، المذيعة/ رباب البدراوي، والمذيع/ عبدالله يسري، والمذيع/ محمود شرف؛ والصحفي/ خيرات عبدالمنعم والأديب الكبير/ خيري شلبي.
         ويعجبني كذلك الحب والتواصل الإنساني من الشاعر/ أحمد عبدالمعطي حجازي، ويعجبني شموخ الشاعر أحمد سويلم، والله أخشى أن أنسى أحداً، لأنني صنيعة هؤلاء وغيرهم من الكثير من أصدقائي خارج المشهد الأدبي، فلهم مني كل الحب والتقدير.

    س: الآن وبعد أن عرفنا ما الذي يعجبك في المشهد الأدبي، جاء الدور على ما الذي لا يعجبك فيه؟
         لا يعجبني في الساحة الأدبية الشللية وسيطرت بعض أنصاف المواهب، وتلك الطائفية الأدبية بين قصيدة النثر والشعر العمودي الأصيل، وتلك الطائفية الأدبية بين الشعر العامي والشعر الفصيح؛ وتلك الصراعات الموجودة في نوادي الأدب والتي لا مبرر لها، وهذه الأنا المتضخمة لدى بعض الأدباء.
         ويغضبني خدمة الجماعة للفرد، وأتمنى أن يصبح الفرد في خدمة الجماعة، والتركيز فقط على الإصلاح الثقافي والعمل على تثبيته، لأن الصورة غير جيدة، كما أنه يغضبني إصرار معول الهدم على الإطاحة بإنجازات المبدعين، والتربص بقوافلهم المبدعة، فأتمنى أن يكف هذا المعول عن الهدم، وأن يكون في خدمة البناء.. والغريب أني أصبحت كالرحالة.. انتقل في وظيفتي من مكان لآخر.. حتى لا اصطدام بهم.. مستخدما أسلوب الكر والفر.. ربنا يهديهم.

    س: ما هي الصعوبات التي تقابلك في الوقت الحاضر المشهد الأدبي؟
         أول عائق يزعجني هو شبح النشر الذي يطاردني كثيراً، فإني أطبع على نفقتي الخاصة في سلسلة أدب الجماهير في مصر التي يشرف عليها الأديب الكبير/ فؤاد حجازي. فإلى متى سأظل أطبع على نفقتي الخاصة؟ فهل السلاسل الأدبية في المؤسسات الثقافية لدينا حكراً على جوقة بعينها، فأعتقد أن هذه طامة كبرى، أما دور النشر في مصر متورطة أيضاً في الطبع والنشر فقط للأسماء اللامعة ولم ينتبهوا للجيل الثاني القادم من الشعراء المبدعين في مصر، ونسوا رسالتهم لدعم المبدع المصري الشاب!؛ ولا أخفيك سراً أن هناك أيدي خفية تعبث في الساحة الأدبية.

    س: عبدالناصر الجوهري موظفاً، هل ترى نفسك سعيداً بهذه الوظيفة؟
         بعد تجربة فصلي عندما كنت أشارك بمسابقة أمير الشعراء، لم أعد سعيداً بهذه الوظيفة، فأنا أخشى على نفسي وعلى إبداعي اليوم أكثر من الأمس، فأنا الآن تحت رحمة كلاليبهم وأنا بين شقي الرحى، الشللية من ناحية وكوني موظفاً تطارده شعراء السلطة، لكن رسالتي البسيطة إلى رَّبة الشعر فأقول لها أنقذي عبدالناصر الجوهري، وإلا سوف أعشقك أكثر فأكثر.

    س: كيف يرى الشاعر عبدالناصر الجوهري القضية الفلسطينية؟ وهل تناولتها في كتاباتك؟
          هي قضية مركزية ليست قاصرة على الصراع العربي الصهيوني فقط، ولكن أيضا يتأثر بها الشرق الأوسط والعالم كله، واعتقد أن هناك معسكرين هما الممانعة (مقاومة) والآخر المعتدلين (المطبعين)، واعتقد أيضا أنه يوجد صراع عربي-عربي يؤثر بالطبع على مسار القضية الفلسطينية حيث أن الفصائل الفلسطينية نفسها منقسمة في هذين المعسكرين. فتحول الصراع من صراع فلسطيني-صهيوني إلى صراع فلسطيني-فلسطيني، دولة في الضفة ودولة في غزة، وأتمنى أن ينمحي هذا المشهد القاتم وان يعود جسر التواصل مرة أخرى بينها للتصدي لهذا العدو الغادر. أما في كتاباتي فأنا انحاز لتلك القضية المهمة.. إلى جانب الرومانسي والذاتي في أشعاري؛ ومن قصائدي السياسية الشهيرة (ممر في جدار الاغتراب) و (لا حرة تزني) وغيرها التي تثبت انتمائي العروبي والقومي.

    س: ماذا تمثل الأنثى في عالم عبدالناصر الجوهري؟
         الأنثى كائن رقيق يعشق الكلمات المعسولة، ولكن أحذر من إغضابها فهي تصير كالقنبلة الموقوتة، فإنها في قصائدي هي القمر والحب والحرية التي أبحث عنها، ولكن خلية النحل لا تأخذ عسلها إلا بعد وخذات عديدة.. وقد أهاجمها في شعري أحيانا.. من أجل العودة لحيائها؛ مثل قولي في إحدى قصائدي (عودي إلى مهج البراءة يا هبة).

    س: بماذا تنصح البراعم والشعراء؟
       للشعر شروط أولاً: الطبع (الموهبة)، ثانياً: الدراسة وتحصيل الأدوات، ثالثاً: الدربة، أي المشي على درب المخضرمين من الشعراء، رابعاً: المعرفة، معرفة شيء عن كل شيء، خامساً: الذكاء، فهل كان المتنبي يعيش وحدة؟، مؤكد كان حوله مئات من الشعراء ولكنه بذكائه وابتكاره الشعري نجح في أن يتميز ويتفرد، سادساً: الاستمرارية، سابعاً: كل هذا يؤدي إلى النضج الفني، العنصر الحاسم في معادلة الإبداع.

    س: بماذا تشعر الآن؟
       أشعر بالغربة في وطني، لأن الغربة نتاج سلبية الوظيفة التي أراها أمامي ولا أستطيع تغيريها وشللية المشهد الأدبي التي تحاصرني، وصراخ البسطاء من حولي وعدم وجود الحوار بيننا وبين بعضا البعض، وأخشى أن نقتل بعضا البعض من أجل لقمة العيش يوم ما في هذا الوادي الضيق.

    س: لماذا قدم الشاعر عبدالناصر الجوهري استقالته من نادي أدب قصر ثقافة المنصورة؟!
       كان تواجدي بنادي أدب المنصورة بشروط ضمنيه بيني وبين نفسي، وهي احتواء جميع الأطياف الفكرية والأدبية ومحاولة تجميد رصيد الشللية ومساعدة البراعم والمواهب، ولكن قد نفذ صبري ولم أعد احتمل أيضا تدخل المؤسسة في إقصاء الأدباء والشعراء في المؤتمرات وحرمانهم من النشر وطباعة إصداراتهم لأسباب واهية. لقد قدمت استقالتي عدة مرات، ولكن هذه المرة لا رجعة فيها مع اعتذاري للجمعية العمومية بالنادي التي أعطتني غالبية الأصوات في انتخابات النادي عام 2008.

    س: سؤال أخير لشاعرنا الكبير، هل تعتقد أنك آخر أجيال المبدعين لمدينتك؟
         مدينة دكرنس ليست بعاقر فقد أنجبت في مجال العلم د. أحمد مستجير و د. حسن أبوالعنين؛ وفي مجال الموسيقى الفنان والملحن/ أحمد الشابوري؛ وفي مجال التمثيل المثل/ جلال معوض الهجرسي؛ وفي مجال الدعوة فضيلة الشيخ/ محمد حسان؛ وفي مجال الرياضة الكابتن/ نادر السيد؛ ومجال الجمعيات الأهلية الحاجة نعم الباز ونجاح الباز؛ وفي مجال الشعر الإعلامي/ جمال الشاعر، والشاعر والناقد د. يسري العزب؛ وفي مجال المسرح الناقد المسرحي د. رضا غالب؛ وذلك على سبيل المثال لا الحصر. واعتقد أنني أمثل الجيل الجديد الذي يحاول الخروج من النفق.. وأتمنى أن يحاول آخرون مثلي البحث عن مكانة لهم في مصر والوطن العربي.

    إقرأ المزيد...
    فوز المنتخب الاسباني على بيلاروسيا في تصفيات يورو 2016
     فوز المنتخب الاسباني على بيلاروسيا في تصفيات يورو 2016
    قدم المنتخب الإسباني ، امس السبت، أداء جيدا عندما سحق ضيفه منتخب بيلاروسيا بنتيجة 3-0 في المجموعة الثالثة. حيث سجل هدف لاروخا الأول فرانسيسكو سواريز في الدقيقة الـ18، فيما أضاف سيرخيو بوسكيتس الهدف الثاني بعد دقيقة فقط، ليسجل بعدها بيدرو رودريغيز الهدف الثالث في الدقيقة الـ55. وبنتيجة المباراة صححت إسبانيا موقفها في المجموعة ورفعت رصيدها إلى 9 نقاط في المركز الثاني خلف سلوفاكيا بفارق 3 نقاط، أما الأخيرة ففازت على مقدونيا بنتيجة 2-0. وحققت أوكرانيا أيضا، صاحبة المركز الثالث بفارق الأهداف عن حامل اللقب المنتخب الإسباني، فوزا سهلا على لوكسمبورغ بثلاثة أهداف نظيفة.
    إقرأ المزيد...
    الشاي الاخضر قد يمنع نمو اورام سرطان البروستات
     الشاي الاخضر قد يمنع نمو اورام سرطان البروستات
    اظهرت دراسة حديثة ان شرب الشاي الاخضر قد يلعب دور مهم في تثبيط نمو اورام سرطان البروستات.
    قام الباحثون باجراء دراسة للتداخلات في المرحلة الثانية حيث تم اختيار ( 34 ) رجل عشوائيا لشرب 6 اكواب من الشاي الاخضر مقابل اختيار ( 33 ) رجل لشرب الماء يوميا لمدة ثلاثة الى ثمانية اسابيع قبل اجراء عملية استئصال البروستات. وتم قياس تركيز متعدد الفينول في الشاي الاخضر وومستقباته في البروستات باستخدام التفريق اللوني السائل عالي الجودة.
    ووجد الباحثون ان تركيز مستضد مناوع للموثة في الدم اقل بشكل واضح في مجموعة الشاي ( مقارنة الدم بالحالة النهائية مع الحالة الاولية ). ولم يقل تعبير البروتين المستضد المناوع للموثة في انسجة البروستات بشكل واضح لدى الرجال الذين شربوا الشاي.
    وكان مستويات معتدد الفينول من الشاي الاخضر موجودة في انسجة البروستات لـ 31 رجل من 34 من مجموعة الشاي ولم تكن موجودة لدى الرجال من مجموعة السيطرة. وكما ظهر ان لدى الرجال من مجموعة الشاي الاخضر انخفاض واضح في NFkBداخل الانوية مقارنة بالاورام من مجموعة السيطرة.
    وقدم الباحثون نظرة جديدة الى الطرق التي يعمل بها شرب الشاي الاخضر على تقليل احتمال الاصابة بسرطان البروستات عن طريق معاكسة العمليات كالالتهابات والتي ترتبط بنمو اورام سرطان البروستات.
    إقرأ المزيد...
    سهير القيسي: أنا مضربة عن الزواج
     سهير القيسي: أنا مضربة عن الزواج
    اعترفتِ الإعلامية العراقية ســـــهير القيســــــي ضمن نشرة اخبار الـ»ام بي سي» انها مضربة عن الزواج، وذلك بعد قراءة زميلها تقريرا عن الزواج في العالم العربي. وقالت القيسي: انت مضرب عن الزواج وانا كمان.
    إقرأ المزيد...
    ترشيح الأديب لرئاسة التحالف استفزاز للشيعة سلام محمد العامري
    سلام محمد العامريلماذا التنازع على رئاسة التحالف الوطني؟ سؤال يدور بإلحاح في خلد كل عراقي, وبالأخص الطائفة الشيعية, لم نجد له جواباً!
    أكبر كتلة برلمانية يمثلها, التحالف الوطني العراقي, وعلى هذه الكتلة, تقع مسؤولية تكوين الحكومة, بيد أن رئيس الكتلة قد اختير لوزارة الخارجية, ليبقى التحالف بلا رئيس.
    مشاورات واجتماعات, لقاءات ومحاورات, ولم يتوصل الساسة المؤتلفين, لاختيار من يترأسهم, صراع يجب أن لا يطول أمده, فهو مسؤولية من الأهمية, لا يمكن تجاهلها, حيث قد تفضي الى تفكك هذه الكتلة, وانفراط عقدها, وهذا ما يتمناه أعداء العملية السياسية, التي لازالت فتية.
    تحالف وُصِف بالوطني, يسعى لأن يكون مؤسسة كبرى, تظم الاحزاب المخلصة من أجل بناء دولة, فإذا كانت منقسمة على نفسها, فكيف ستقوم بذلك؟ سؤال يوحي للشك, في بعض من انضوى, تحت هذا اللواء ليس ايماناً, بل لأجل الاستحواذ على المناصب ليس إلّا؛ إذا علمنا أن هناك اتفاقاً, يفضي إلى عدم تسنم رئاسة الوزراء والتحالف, من قائمة واحدة, مع إنَّه ليس منصباً حكومياً, وليس مشروطاً أن يكون زعيمه, قد حصل على أعلى الأصوات, فما هي المعايير التي يتم من خلالها, حسم هذا الأمر المهم؟
    تم حصر الترشيح في هذه الدورة بين شخصين, ألأول هو السيد عمار من قائمة المواطن, أما الشخص الآخر فهو علي الأديب من دولة القانون, لتظهر شبه أزمة بين القائمتين, لتشبث الثانية بحجة عدد الأصوات الانتخابية, برغم أخذها استحقاقاتها الحكومية! مضافا الى ذلك مقبولية السيد عمار ألحكيم, وكون البرنامج الحكومي, يعتمد اعتمادا كبيرا على برنامج المواطن. 
    فهل سنشهد قيادة شابة, تقود التحالف نحو المأسسة, ليكون فاعلا في بناء الدولة, لا السيطرة على سدة الحكم فقط؟ هذا ما يصبوا اليه المواطن, فلا برنامج واضح لدى جميع الفرقاء.
    المقبولية الداخلية الاقليمية الدولية, والحكمة في الإدارة , مع برنامج متكامل ورؤية واضحة, تجعل كفة المواطن هي الراجحة, لترأس التحالف الوطني.


    مع التحية
    إقرأ المزيد...
    الحشد الشعبي شجاعة وأمانة:بقلم: صادق غانم الاسدي

     صادق غانم الأسدي

     في زيارة استغرقت ثلاثة ايام الى سوح القتال ومعايشة ابطال الحشد الشعبي وما رأته العين من شجاعة وبسالة وأمانة وعز لاتوصف بمجرد الكتابة فقط , ابطال في ريعان الشباب حملوا على مناكبهم امانة العراق وعزيمة الاصرارعلى الانتصار لاغيره من ثقة الايمان وعمق القضية التي جاءوا من اجلها , تاركين لهو وزينة الدنيا ومظاهرها ,لاوجود للخوف في قلوبهم يحملون الآباء والتحدي رأيتهم في وقت الصلاة كدوي النحل بين قائم وساجد ويقرأون القرآن ما اروعهم حينما يهتفون لبيك ياحسين هولاء اسرع من لبى نداء المرجعية ذلك النداء الذي اعصم حرائر العراق وحفظ تراب الوطن ومقدساته من براثين داعش ومن لف وساندهم وانصهر معهم  ,حيث تسابقت جموع المجاهدين الغياره من ابطال المقاومة الاسلامية بكافة تشكيلاتها ومسمياتها  الذين قارعوا نظام صدام لمدة ثلاثة عقود لم يكلوا ولم يملوا طالما ان هنالك قضية حق وعدل ورفع الغبن والظلم  ونصرة لمذهب ال محمد , وواحد من تلك الوجوه الطيبة الشجاعة الحاج ابو علي الجويبراوي السيد محمد جاسم الذي اشرف بنفسه على سير العمليات ولم تغفل عيناه ساعة واحدة خلال المعارك المقدسة والتي استمرت اشهر وحضوره كان فعال ومؤثر في سير العمليات العسكرية واعطى زخما واندفاعا من الثبات والتحدي والمواصلة ورفع الحالة النفسية بشهادة جميع المقاتلين الذين رووا حكايات ومأثر بطولية  ,ولايختلف الامر بالنسبة لشجاعة المقاتلين حينما يرون قادتهم يقفون بمسافة واحدة وامام عدوهم في المواضع الامامية لايبالون الموت ولايشعرون الا بحلاوة النصر على كل من دنس ارض المقدسات هكذا تكون الرجال وتظهر المعادن في صلب الشدائد, فقد تميز الحاج الجويبراوي بحكمة واباء وعنفوان التحدي ولايخلوا الجانب الانساني في قلبه وسعة الصدر واصغائه الى جميع الاراء والمشاكل لما يتميز به من طيب قلب سمح  يجالس الصغير قبل الكبير وينفذ كل مايطلبون منه من اجل ان لاتكون هنالك ثغرة يستغلها اعداء العراق , وحرص على ان يكون اول المقاتلين الذين اندفعوا بايمان وبجدارة يرفعون لواء التضحية كما حمله من قبل أمامه الامام علي عليه السلام بوجه طواغيت بني امية كون الاعداء في السابق والوقت الحاضر يجمعهم قاسم مشترك هو اطفاء نور الله ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون كما يهدفون ايضا الى ان يكون العراق ساحة للصراعات الطائفية يستمر بها جريان الدم الى ما لانهاية , الجميع يعرف بان الحشد الشعبي امكانياته محدودة واكثر ما يعتمد عليه في التموين والرواتب على التبرعات من الخيرين  من اجل ديمومة الانتصار وبجهود استثنائية كبيرة عمل السيد محمد جاسم الجويبراوي ان يوفر كل المستلزمات اللوجستية وكافة ما تحتاجه ارض المعركة  بوقت قياسي  وبسرعة فائقة  , بالتأكيد عوامل نجاح اي معركة يجب ان تتظافر بيها  كافة الجهود وتسخر فيها كل الامكانيات المتاحة وخصوصا الجهد الاعلامي الذي يعرج على الجوانب المضيئة والمغيبة من وسط المعركة لحث الاخرين ان ينهجوا بنفس الروحية وبنفس الوتيرة , وانا اقول لولا تلك الابطال المترابطين في سوح القتال وفي مناطق خطرة لما استطعنا ان نخلد للنوم ونذهب الى اعمالنا ونؤمن على كرامتنا  ويرن جرس المدرسة معلنا الدرس الاول , رحب بنا واصطحبنا معه لزيارة جميع الاماكن التي حررها في منطقة جرف الصخر ومن اخطر المناطق في العراق وعورة وكثافة من البساتين والاشجار التي تعيق تقدم المقاتلين  وهي الان بيد قوات الحشد الشعبي ,ولاننسى ان التضحيات والدماء للشهداء هي محصلة الانتصار الحقيقي ويحتاج كل انتصار الى دموع ودماء نقية تلون صفحات التاريخ بالعز رحم الله شهدائنا الابرار في كل بقعة من بقع العراق الذين سقطوا دفاعا عن العقيدة والمقدسات وتراب الوطن .

    إقرأ المزيد...
    القرآن إثابة وتربية وسموّ قراءة في كتاب الارتقاء في درجات معاني القرآن(1) بقلم/ الدكتور: مصطفى عطية جمعة

     

    كثيرة هي الكتب التي تدفعها المطابع كل يوم عن القرآن وتفسيره والاستفادة من تعاليمه، ونادرة هي الكتب المتعلقة بالتربية القرآنية ، والتعامل مع القرآن من منطلق يتجاوز كونه كتاب عقيدة وتشريع شامل ، إلى كونه كتاب الحياة كلها، حياة المرء والأمة . ولعل مقولة الشاعر العظيم محمد إقبال تثري ما نقول ، عندما ذكر نصيحة والده له : " اقرأ القرآن كأنه يتنزل عليك " (2). ولك خيل أن تتعامل مع الآيات المعجزة ، كأنها تخاطبك أنت ، وتتناول وقائع حياتك أنت ، وتجيب عن أسئلتك أنت ، وتدفعك إلى المعرفة والاستزادة منها وبها ولها ، وساعتها سيصحو المرء منا على القرآن ويقضي لحظاته متدبرا ، مترنما . وكما يوضح المؤلف (3): " لو لم تكن حاجة الإنسان إلى القرآن بلغت ذروتها، لما أرسله الله إليه، إنه رحمة من الله بالإنسان، ونور حلّ على ظلمتـَي الإنسان والأرض معاً " (4)، فالبشرية في أشد الاحتياج للقرآن ، فكم أضلتها كتب كثيرة ، وعبثت بها تشريعات ، وعبث البشر بتشريعات ربانية منزلة بالكتب السابقة ، فجاء القرآن كتابا محفوظا سليما من التحوير ، على مدى الأزمان ، ليسد حاجة الناس في كل صعيد وفترة ومكان .
    ومن هنا ، وكما يشير المؤلف في ثنايا كتابه : فــ " إن التلقي القرآني هو عملية فض الغلاف عن لب الكلمة لبلوغ المعنى، هذا المعنى الذي تستخرج منه التدبّر الذي يُصلح لك شأنك، وهكذا تراك مرتقياً في قراءة القرآن لأنك تتلقى من كل قراءة معنى جديداً، تستخرج منه تدبّراً يُصلح لك شأناً جديداً من شؤون حياتك، وعلى قدر ما يجعلك ذلك مواظبا على قراءة القرآن، يقف قارئ القرآن غير الفاض عن اللّب غلافه دون ذلك وهو يغدو قليل القراءة لأنه وقف أمام مبنى القرآن، دون أن يلج باطنه " (5)، نجد هنا إشارتين مهمتين : الغلاف والمعنى ، فصارت الكلمة غلافا ويجلو المعنى التدبر ، فالتدبر الذي هو التلقي الدائم المعمق للقرآن قائم على فض إيحاءات الآيات ، والكلمات ، ودلالات السور .
    أيضا ، شتان بين القرآني والدنيوي ، فالناس مشغولة بشؤون معاشها وهؤلاء هم الدنيويون ، أما القرآني فهو مشغول بما حفظه وما يسترجعه ، غير منصرف عن دنياه ، بقدر ما يأخذ دنياه إلى قرآنه ، أو يجعل قرآنه في كل زمن ومكان في دنياه ، حتى إذا أسند شقه الأيمن ، وتوجه إلى الله ، متمتما ببعض الآيات قبل أن يخلد إلى نومه، سيكون في غاية الراحة لأنه خلد إلى النوم حاملا القرآن في حنايا صدره ، فإذا شاء الله أن يقبض كان القرآن شاهدا وشفيعا له، وإذا شاء أحياه ليوم جديد ، استيقظ وهو طامح أن يجعل يومه الذي مُدَّ في أجله سبيلا للاستزادة القرآنية : فهما وتفسيرا وتطبيقا ، وأيضا سلوكا وتعاليم ووصايا وإرشادات .
    وستكون قراءتنا لهذا الكتاب في محاور عديدة ، تستهدف تغطية ما فاضت به أسطره ، وأوحت به عباراته ، وفاحت عبيرها من كلماته .
    بنية الكتاب :
    عندما نتعرض للبنية ، فنحن نلج بالمنظور الكلي أو الرأسي ، وهذا يساعدنا في فهم خطة الكتاب ، ناهيك عن محاوره ونقاطه الرئيسية ، فقد انقسم الكتاب إلى قسمين رئيسين، حمل الأول عنوان : نور السـماء إلـى ظلمة الأرض ، وشمل ستة فصول ، سعت إلى تغطية هذا العنوان ، الذي فيه الكثير من الحس الأدبي، والتناص مع القرآن الكريم ، فقد نُعِت القرآن والإيمان كثيرا بنعت مشترك وهو النور، مثلما نعت الكفر بالظلام ، أما الفصول فقد سعت إلى تبيان هذا العنوان ، فشملت محاور وهي : كتاب التحولات الكبرى ، حدود الله .. حدود الناس.. في القرآن ، خصائص العلاقة بين الإرسال الإلهي والتلقي البشري ، قارئ القرآن وفقــــه الموقــــــف، معالم الطريق ومنعرجات الفوضى ، التلقي القرآني وترويض النفس .

    وكما نلحظ فإنها تبدأ بتبيان الحدود التي أنزلها الله تعالى في كتابه المقدس ، ثم حدود الناس في الحياة كما أبانها القرآن ، ونرى أن المؤلف ابتدأ بالرؤية الكلية ومن ثم انحدر تدريجيا إلى الجزئيات ، فقد تطرق إلى طبيعة العلاقة بين الوحي والبشر ، واستخدم في ذلك لفظة " التلقي " ، الذي يعني – فيما يعنيه – كيف يعي المسلم القرآن ، شفاهة وسماعا ورسما مكتوبا ، وأيضا كيف يعيه فهما وإدراكا ، فالقراءة من المكتوب والشفاهة من المسموع ، من أهم سبل تلقي القرآن الكريم (6)، وكذلك سائر العلوم الإسلامية الناشئة حوله . ومن خلال التلقي ، بدأ في عرض علاقة قارئ القرآن بالحياة في مواقفها وفقهها ، وسلوك الطريق السوي في الحياة ، والتعرف على معالم الخير ونبذ منعرجات الشرور، وأيضا سبل ترويض النفس وتهذيبها قرآنيا .
    وجاءت نعوت المؤلف للقرآن بأنه : " كتاب تشريعي، تنويري، فكري، تعبدي، تأملي، معرفي، حقوقي، رباني، إنساني، وهو كتاب الدنيا بامتياز، إلى جانب أنه كتاب الآخرة بامتياز، فهو يخاطب الناس الأحياء، وموجه إلى الأحياء، ويتوارثه الأحياء، وينتفع به الأحياء، بالدرجة الأولى " (7)، ليكون القرآن كتابا تشريعيا لشؤون الدنيا ، وعقيديا وتربويا لشؤون الآخرة .
    أما القسم الثاني ، فهو يتمحور حول " فضل القرآن على الإنسان " ، وهنا تكون الصورة التطبيقية ، بمعنى أن القسم الأول نظري ، والقسم الثاني تطبيقي ، سعى المؤلف فيه إلى التبيين من خلال المواقف والأمثلة والدلائل ، لآثار القرآن على المرء المسلم ، والحياة ، والمجتمع ، والأمة ، كما نقرأ في عناوين الفصول : " حاجة الإنسان إلى القرآن ، ارتقاء قارئ القرآن في درجات متعة العطاء ، قارئ القرآن ومهارة قوة الملاحظـة القرآن الكريم ومنهج الحياة ، مشكاة قراءة تدبرية لـ سورة البقرة" ، وقد جاءت صياغة الفصول من خلال الأسلوب الجزل ، والأمثلة الواقعية، والاستشهاد بالقديم والحديث من الحديث الشريف ، والسيرة العطرة ، والتاريخ الإسلامي ، وأيضا من العلوم الحديثة ، لنخلص إلى أن القرآن سبيلنا للخير، كل الخير في حياتنا ، وأننا به نرتقي ، ونسمو ، ناهيك عن الإثابة والأجر ، والأهم أنه وضع القرآن في موضعه الصحيح ، وأظن أن هذا هو غاية الكتاب ، بأنه يجعل صلة المسلم مباشرة ، دون وساطة ، بالقرآن الكريم ، فيقرأه المسلم ، ويعيه، ثم يستعين بما يشاء من تفاسير وعلوم ليعرف المزيد ، أي أن يعيش المسلم في القرآن فيتخذه صاحبا ، وأنيسا ، ومدرسة ، وجامعة ، وبيتا وسكنا ، ومن ثم صار القرآن سببا في تشكل الحضارة الإسلامية ، وكما يشير المؤلف بأن للقرآن الكريم أثره الجلي على سائر ألوان وأجناس الآداب والفنون الإنسانية، ويمكن أن نصنف مرحلتين انعطافيتين: مرحلة ما قبل نزول آي القرآن، ومرحلة ما بعد النزول، فإذا نظرنا إلى الآداب والمناهج الفكرية الإنسانية، التي اتسمت بالنبوغ، نراها لا تتمتع بالمزايا التي تمتعت بها في مرحلة ما بعد انتشار القرآن الكريم في الناس. وهذا أمر طبيعي في مواكبة الفكر، والمنجز، ومحطات تطور العبقرية البشرية، لأسباب وعوامل ومستجدات التطور (8)، وتلك رؤية جديدة ، فعلينا أن ننظر إلى المعارف والعلوم التي أبدعها البشر في حضاراتهم المتعاقبة ، وما جادت به حضارة الإسلام المؤسسة على القرآن ، ناهيك عن العلوم التي استقت نبعها من هدي القرآن مثل التاريخ والفلسفة الإسلامية ، والجغرافيا (9) ، فكلها نهلت من النبع القرآني ، والخطأ الذي يسقط فيه كثير من المسلمين أنهم ينزعون الرؤية القرآنية عن علومهم، ولا يخاطبون البشرية علميا من خلال التصور القرآني .
    وكما يقرّ المؤلف : " كنتُ دوماً عندما أقف أمام تشريع الله، أو نهيه، في القرآن الكريم، أرى أن هذا الإرشاد إنما هو توجيه للإنسان، حتى يفقه الحياة التي يعيشها، يتجنب العبثية في مسيرة حياته، وهو إرشاد من خبير يعلم ( السر وأخفى ) " (10)، فجوهر رسالة القرآن / الإسلام ، أن الإنسان لم يخلق عبثا ، وإنما هو عابد ، متعبد، عليه رسالة عظمى ، تتمثل في نشر التوحيد ، وعمران الأرض .
    ومتى وعى كل مسلم ، الفرد أولا ، ثم الأسرة ، والجماعة ، والمجتمع ، ثم الدولة، ثم الأمة كلها ، كل هؤلاء وعوا بدورهم القرآني ، فإنهم سيتحولون إلى طاقات إيجابية ودعوية وحضارية ، لها كل الأثر في التاريخ الإنساني .

    فرادة الموضوع والهدف :

    مفهوم الفرادة يعني : الاختلاف ، والجدة ، والإضافة ، في الجانب النظري، عما هو حالي وسابق، ويعني أيضا الجانب العملي والسلوكي في الحياة ، لتكون المحصلة ، تنظير شاف للعقل ، وتطبيق شاف للروح والسلوك .
    إن الكتاب فريد في مؤلفه ، فالأستاذ عبد الباقي يوسف ، أديب وباحث متعدد الاهتمامات ، وتأتي فرادته في كونه اضطلع بتأليف كتاب عن القرآن ، مستندا إلى تجربته السردية الممتدة، وأيضا إبحاره في ميدان المعارف والعلوم المختلفة ، فجاء كتابه جامعا بين الحس الأدبي ، والمشاعر المرهفة ، والتعامل السامي ، والثقافة المتعمقة المتبحرة .
    وهذا الكتاب فريد في موضوعه ، و في بنيته ، وفي عناصره ، ففرادته نابعة التي هي محور الكتاب ، فالفكرة الأساسية لهذا الكتاب تتمثل في النظر إلى الحياة مع القرآن، كيف يعيش المسلم مع القرآن ، وكيف يعيش القرآن معه . ربما يتخيل البعض أن هذه فكرة ليست بجديدة ، وحتى لو افترضنا هذا ، إلا أنه لم يتم تعميقها بالشكل الكافي من قبل ، بحيث يصبح القرآن – الذي هو لب الإسلام وأساس ثقافة وحضارة المسلمين – سبيلا للتربية ، ونهجا في المعايشة اليومية، والمعايشة الحياتية، وأيضا سلّما للترقي الإيماني ، والسمو الخلقي والروحي للمسلم .
    وقد أبان المؤلف من مقدمته ، حيث يتناول : " صلب العلاقة بين مقومات حياة الإنسان، وبين القرآن الكريم، الذي كلما يُقرأ، ترسخت تعاليمه في النفس، وبذلك يتمكن الإنسان أن يتجاوز القراءة الظاهرة لهذا الكتاب المبارك، إلى تلقي معانيه، ومن خلال هذا التلقي القرآني، يرتقي بسلوكه الإنساني، على قدر ارتقائه في درجات تلقي معاني القرآن "(11)، فهناك جملة أمور نقف عندها : أن القرآن مصدر للإيمان والتعاليم والسمو الروحاني ، وأن الوعي بهدي القرآن لن يكون بالترتيل الآلي، وإنما بالغوص في معانيه ، فتصبح المعاني تعاليم ، وتترسخ التعاليم في النفس، ومن ثم يرتقي المسلم . فالمؤلف يعيدنا بطرحه إلى معين الإسلام الصافي ، لتكون العلاقة بين المرء والقرآن علاقة وطيدة ، سرًا وخبيئة بين العبد ومُنزِل القرآن .
    وهو لن يتحقق إلا بالتدبر ، والتأمل ، ومصاحبة الآيات ، والعيش في حياضها، ومن ثم ننظر إلى الأثر النفسي الناتج عن ذلك . حيث يقرر مؤلفنا : " إن قارئ القرآن المتدبّر ، يتمتع بحالة هائلة من الاتزان البدني، والنفسي، والاجتماعي، والعقائدي، والفكري، والاقتصادي، يقرأ وقائع الحياة قراءات قرآنية. يتلقى الأنباء السارة والحزينة، وفق المخزون القرآني الكامن في أعماقه، إنه كائن لا تزحزحه أعتى الرياح، يستمد حصانته من صلب علاقته القويمة بالقرآن " (12)، مما يثير قضية غاية في الأهمية ، وتتصل بالتربية القرآنية للمسلم ، التي تجعل القرآن حاضرا في بصر وبصيرة وذهن المسلم ، كلما وقعت حادثة أو مشكلة أو قرأ واقعة تاريخية أو علمية أو اجتماعية .. ، فإنه يخرج مما اختزنته أعماقه قرآنيا ، ما يجعله يعي ما يصادفه ويعاينه من المنظور القرآني . وبالتالي نعيد فهم قوله تعالى : : { وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا }(13)، وقد جاء في تفسير الآية أن القرآن " يذهب ما في القلوب من أمراض ، من شك ونفاق ، وشرك وزيغ وميل ، فالقرآن يشفي من ذلك كله . وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه ، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه ، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة " (14).
    فالقرآن شفاء للقلوب من أدرانها وأحقادها ، والعقول من أسقامها وحيرتها وتشتتها، والروح من تقلباتها ، وفوق ذلك ، سيتراحم المؤمنون لأن القرآن بركة ورحمة بآياته إذا تليت ، ورحمة لكل من سمعه وتعامل به واستحضره .
    ويكون السؤال : وهل هذا فريد ؟ وكيف؟ والجواب بالإيجاب ، لأننا تعاملنا مع القرآن في أسوأ الحالات بأن نجعله مهجورا، وفي أحسن الأحوال نقرأه آناء الليل وأطراف النهار ، ونحفظ آياته ونصلي بها، ونرتلها في وردنا اليومي ، ولكن القضية تتخطى هذا ، وتبني عليه دون ريب، حيث يصبح القرآن نهجا في الرؤية والعمل ، وساعتها سينعم المؤمن بالراحة الكبرى، في مختلف أحواله ، لأن صلته مع الله سبحانه وتعالى مباشرة ، فالله تعالى يكلّم العبد بالقرآن ، والعبد يناجي ربه بالدعاء ، والله تعالى يرشد عبده كلما استحضر الآيات القرآنية في سائر شؤونه ، والعبد يلوذ بكلام ربه في كل ما يعنّ له .
    يقول الأستاذ عبد الباقي يوسف:" إن القرآن الكريم هو دليل الإنسان إلى معرفة الله، وإلى معرفة مقاصده في تشريعه، ومن ذلك انفجرت ثورة التفسير، التي يسعى المفسر من خلالها إلى محاولة لبيان مقاصد الله (15)، فلن يعي المسلم الشريعة مادام يهجر كتاب الله ، ولن يعي أي تفسير دون الرجوع إلى المصدر القرآني ، والتفاسير تعددت ، وكما يسميها المؤلف " ثورة التفاسير " ، لأن التفسير عنوان لتفاعل العقل المسلم الواعي المدرك المتدبر – مع العلم والإحاطة باللغة والعلوم الشرعية – مع الآيات القرآنية .
    ولاشك أن هناك إدانة صريحة ضد هؤلاء المسلمين الذين يعيشون بلامبالاة وخمول في حياتهم ، وهذا الأمر ينطبق أيضا على جماعات ودول مسلمة ، وكانت سببا في الركود الحضاري الذي أصاب المسلمين جميعا .
    فاللامبالاة يقول مؤلف الكتاب :" في أمور صغيرة، تؤدي إلى لامبالاة في أمور كبيرة، والاستمرار فيهما يؤدي إلى لامبالاة مطلقة تجاه كل خصائص وميزات إنسان اجتماعي يتسم بقيمة الأخلاق، ثم في مرحلة لاحقة إلى فقدان المسؤولية كاملة تجاه نواميس الحياة برمتها (16) ، وقد يكون مصطلح اللامبالاة صادم ، ولكنه واقع ، فمسلمون كثر تركوا رسالتهم القرآنية على الأرض ، وانهمكوا في الملذات أو التبلد الحسي والعلمي.
    القرآن والتغيير :
    ونعني به : أن القرآن الكريم قادر على إحداث التغيير في الفرد والمجتمع والأمم والحضارات . والسيرة النبوية والتاريخ يخبرانا بذلك ، فقد حوّل القبائل البدوية القاطنة في الجزيرة العربية من عرب رحّل إلى مؤمنين مهديين ، ومن ثم توحّدوا تحت راية النبوة ، وتحلت قلوبهم بالإيمان ، فاندفعوا لينشروا الإسلام في الأرض ، وتمكنوا من فتح غالبية الأقاليم المعروفة في زمانهم ، ومن ثم استطاع القرآن أن يقيم حضارة تالدة ، ظهرت عظمتها في الحواضر الإسلامية مثل بغداد والقاهرة ودمشق وفاس، والأهم أنها انطلقت برؤى القرآن ، وصيغت علومها بلغته .
    وبالتأكيد ، فإن ما صلحت به أحوال المسلمين في أول حياتهم ، ستنصلح به أحوالهم الآن ، وفي القادم من الزمان .
    وهذا ما أدركه مؤلفنا ، حيث أشار إلى أن " القرآن يمتلك المقدرة على تغيير الناس بشكل نافذ، بحيث ينقل شخصاً ما من تاريخ عريق في الإلحاد، إلى تاريخ عريق من الإيمان، من إنسان سلبي يقف على تاريخ من الجور، إلى إنسان يشرق بنور إيجابيات الفطرة الإنسانية. إنه كتاب التحولات الكبرى في حياة الإنسان، إلى جانب أنه كتاب التحولات الكبرى في سلسلة المنجزات البشرية على مختلف الصعد"(17)، وهي نظرة نحسبها شمولية ، لأنها ارتأت أن القرآن ليس كتابا فحسب، ولا مصدرا للتشريع ، وإنما هو قادر بآياته على أن يغير النفوس والأمم ، وهذا ما درك عليه الرسول والجيل الذهبي الأول ، قرن الرسول من صحابته الكرام ، حين كانوا يحفظون الآيات ، ويطبقونها لحظة بلحظة ، ويوما بيوم .
    "فعندما نقرأ القرآن، نصبح أكثر معرفة بأنفسنا، حيث يقدم لنا القرآن الكريم مكوّنات النفس، يقدم مزاياها، تركيبتها، ميولها. كما يرشد القرآن قارئه الماهر كيفية قيادة النفس" (18) وهذا مصداق لقوله تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } (19)، وينقل ابن كثير عن قتادة في تفسير الآية : قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة (20)، فإن التفكر لا يشمل الكون برحابته، ولا العالم البشري حولنا بتعدده ، وإنما يبدأ بالنفس ، والجسد ، والذات ، فإذا أدرك المسلم نفسه ، وعرف جوانحه ومطامع جوارحه فله أن يتعمق فيما حوله ، فقد انفسح عقله على داخلها وخارجها .
    أيضا ، فإن متلقي القرآن ، يستشعر سمو المعاني والقيم ، فالرحمة مثلا وردت في القرآن في عشرات المواضع ، إلا أن المؤلف يزيد في فهمها فيقول : " فالإنسان يجوز له أن يكون رحيماً، كما يصفه الله، وهي رحمة إنسانية محضة، بيد أنه لا يمكن له أن يكون رحماناً، بأي مقياس من المقاييس، وذلك لشمولية معاني ودلالات هذا الاسم، المقتصر على الله وحده عزوجل " (21) . وهنا يبزغ مفهوم قرآني غاية في السمو ، يتصل بأسماء الله الحسنى ، ووقعها في قلب المسلم الذي يتوقف أمام الرحمة المطلقة كما تتجلى في الذات الإلهية ، ويشتق منها أن يكون العبد رحيما، وهو موقن أن النموذج السامي اللامتناهي في الرحمة الذي يقرأه في القرآن يكون مع المولى جل وعلا ، فهو الرحيم الرحمن بسائر مخلوقاته .
    مع الأخذ في الحسبان أنه : "ليس بالضرورة أن يرتقي كل قارئ مع كل قراءة، بل قد تكون قراءة سلبية، فينحدر من درجة سابقة كان قد بلغها، لأن القرآن ليس كتاباً سهلاً، وليس بوسع الإنسان أن يبني علاقة قرائية نورانية معه، إن لم يستعد لذلك بدنياً وروحياً ومكانياً، ولا يفتح القرآن الكريم مرآته للقارئ، إلاً إذا كان متأهباً ومتأهلاً لهذا الفتح" (22) ، وتلك هي الوجهة الأخرى إذا تقاعس المسلم في قراءته ، أو جعلها تلاوة آلية ، ففي هذه الحالة سيرتد إلى الدرجات السفلى ، وهكذا تكون العلاقة طردية بين العبد والقرآن ، على قدر اجتهاده يسمو ، وعلى قدر ركونه يتأخر .
    يقول: "إن قراءة القرآن التدبرية تجنّب الإنسان كي يبقى هامشياً لامعنى لوجوده، إنها تعلمه كيف يتواصل مع سائر الفعاليات والمقومات الاجتماعية والإنسانية، فيشير ذلك إلى حضوره، كما أن غيابه يشير إلى فراغ" (23)، وهذا بعد مهم ، لأن القرآن حافز للمسلم على أن يكون مبرزا متميزا ، لا يعرف هامشية ولا ركونا ، ونفس الأمر مع الدولة المسلمة والحضارة المسلمة ، لا يمكن أن تكون على هامش التاريخ أو خارج السياق العالمي والدولي .وكما يقرر المؤلف بأن "هناك أبطال كجنود مجهولين يعيشون في كل أحياء ومناطق وعواصم وبقاع العالم، بيد أنهم يُعرفون بمواقفهم، على الأقل في نطاقات ضيقة، حتى لو كانت مقتصرة على أسرهم "(24) ، وهؤلاء هم الدعاة الذين يبذلون الغالي والرخيص من أجل نشر الدين ، سواء مع فرد أو مجموعات قليلة ، المهم أن ينال المثوبة وشرف الدعوة .
    فالإسلام لا يعرف الشخص السلبي ، وإنما يعرف الإيجابي ، يقول : " فالإيجابيون هم الذين يجعلون من الحياة مادة قابلة للعيش، إنهم مصابيح الهدى. محظوظ ذاك الذي يجد كائنا يميل إليه كل الميل، ويتعلق به كل التعلق، ويتفاعل معه كل التفاعل"(25). فقارئ القرآن المتدبر إيجابي ، والعالم والداعية في قمة الإيجابية .

    المعايشة مع السور القرآنية وآياتها :

    أورد المؤلف تفسيرا لبعض السور القرآنية ، كنموذج للمعايشة القرآنية ، يستهدي به من يتلو الآيات المعجزة ، ففي سورة الفاتحة التي يرتلها المسلمون في سائر صلواتهم نجدها جامعة كل الخير ، يعلق المؤلف عليها بقوله : " سورة مترابطة، متكاملة، لا تقبل التجزؤ: أولها رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة. عندما يبلغ الإنسان الصراط المستقيم، فإنه يبلغ الطمأنينة، وليس من سبيل إلى الطمأنينة الروحية، سوى سبيل الصراط المستقيم "(26)، فالسورة مناجاة ، وحسنا فعل المؤلف بأن توقف عندها، ونظر إليها كوحدة مترابطة كلية المعنى والأثر ، والمتمثل في الطمأنينة الروحية ، وبتكرار التلاوة للفاتحة ، مع التأمل الدائم في مضمون دعائها ، يتحقق الالتزام بالصراط المستقيم .
    يقول: " ندرك بأن الإنسان يرتقي في درجات تلقي معاني القرآن الكريم على قدر ما يتمكن من توظيف طاقاته العقلية بشكل إيجابي، فيمسي القرآن بالنسبة إليه كتاب تحولات كبرى في محطات حياته، وعن ذاك يُقال عنه بأنه إنسان عاقل" (27).
    ويقول : "إذ يتميز الإنسان دون سواه من مخلوقات الأرض، بلسان بليغ، يمكن أن يرفعه إلى درجات متقدمة في صفوف البشر، ويمكن أن ينحدر به إلى درجات سفلى من درجات الخزي" (28) .
    ويطرح المؤلف عدة أمثلة من القرآن الكريم ، موضحا أن النظرة للمثل القرآني "تكمن في لغته الرمزية وسعة معانيه، التي تنطبق على أشخاص بعينهم، دون ذكرهم بالاسم، وهنا يبقى المثل مفتوحاً، وقابلاً لإنسان أي زمان ومكان، فالمثل - مهما بلغ من قِدم - يستمد تجدده من الحدث الجديد، والواقع الجديد " (29) فالمقصد من ضرب المثل في القرآن – { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } (30)هو التعقل، والتدبر، والتفكر ، المثل هنا يمنح فسحة للتعقل، وأخذ العظة(31) مصداقا لقوله تعالى : { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون}(32) .
    وعندما يتعايش المسلم مع هذه الأمثلة والقصص ، فإنه يستحضرها في كثير من لحظات حياته ، عندما يجد موقفا مشابها ، أو يحتاج إلى عبرها وعظاتها .
    كما تعرّض المؤلف أيضا إلى سورة البقرة ، وامتدت وقفته في ظلالها إلى عشرات الصفحات ، استظل بفيئها ، ونعم بما فتح الله عليه بها ، لذا هو يؤكد أن " سورة البقرة هي سورة منهج حياة جديدة، لمجتمع يستمد تجدده من ثنايا هذه المقومات الجديدة، التي تشرعها وتنصها وتؤسس لها هذه السورة. إنها تقلّب كل الموازين والأعراف السائدة رأساً على عقب، وتسن لهذا المجتمع ما يميزه ويجعله متألقاً ومتأهلاً لنشر رسالة بلوغ الدين درجة الكمال، وإتمام نعمة الله على الإنسان " (33)، وهي قراءة كلية المقاصد لهذه السورة متعددة الموضوعات والقصص والإرشادات والأحكام ، التي حفلت كتب التفسير بشروحاتها الجزئية ، ونحن في حاجة لشرح كلي

    السور القرآنية .. رؤية مكانية كونية :

    ونعني بها كيف نظر المؤلف إلى القرآن المنزل في مكة والمدينة ، إنه يرى أن الحكمة الإلهية شاءت أن يتنزل القرآن في مكانين ، مكة حيث القبلة ، والمدينة حيث تأسيس الدولة المسلمة ، فالعلاقة بين مكة والمدينة هي " علاقة تبادلية وتكاملية "
    ففي مكة كانت أولى الآيات على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفي الهجرة لمرحلة انتقالية جديدة من مراحل نشر الدعوة ، لقد لبث في (المدينة)، بيد أن العلاقة بدأت تأخذ تكامليتها، لأن القبلة لبثت في (مكة)، وهذا يرمز بأن الرسالة هي ليست مكية فحسب، بل هي مدنية أيضا، والمدينة هنا ترمز إلى رحابة العالم، إنها ليست المدينة المنورة فحسب، على قدر ما هي المدينة الكونية، هنا يمكن أن أقول بأن الإسلام منذ هذه المرحلة بدأ في النداء العولمي ، من أجل أن يكون عالم الإنسان عالما واحدا، مع الحفاظ على خصوصيات المجتمعات (34)، ومعلوم أن مكة تتوسط العالم بموقعها الجغرافي المتميز في قلب كوكب الأرض ، وأن المدينة لها نورانية الإشعاع ، حيث اكتملت الدعوة والدولة ، وكانت مركزا للحكم ، وفيها قبر حامل القرآن ومبلغه ( صلى الله عليه وسلم ) .
    أيضا ، فإن الرؤية المكانية تتجاوز إلى الكونية ، " ربما من أهم التحديات التي تواجه الإنسان لحظة يبدأ وعيه بالتشكل ( كونيا ) ، هو أنه يرى نفسه أمام وقائع حياتية متناقضة، ليس بوسعه أن يعيش في معزل عن مؤثراتها. هنا يكتشف مدى حاجته إلى ترويض النفس على استيعابها، والإحاطة بها، والوقوف موقفاً وسطيا أولياً منها، حتى يستقر الحدث، ومن ثم يأخذ موقفه المعتدل من واقع هذا الحدث"(35) ، فالتغيير في الكون والعالم حولنا لن يبدأ بالماديات كما يظن الإنسان الغربي الحديث ، وإنما يبدأ بالوعي الداخلي للإنسان ، بأن يقهر نوازعه وشهواته، ويروضها ، ومن ثم يندفع إلى الكون / الأرض / العالم / الناس .
    فتاريخ الإنسان يثبت بأنه كائن مقاوم، فقد استطاع أن يبني الأرض، ويقدم ما يستطيع في سبيل أن يجعل من الأرض مسكناً صالحاً له. ومن جانب آخر، فقد تأججت نزعة الشر لدى فئات كثيرة من الناس، وهذه الفئات، التي تمضي وفق ما يملي عليها الشيطان، تبتغي نشر الفساد والطغيان في الأرض والناس معاً(36)، هذا هو الإنسان العادي ، فما بالك لو كان مسلما قرآنيا واعيا بعقيدته ورسالته .

    000000000000000000

    1 ) عبد الباقي يوسف ، الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن ، منشورات مجلة الحوار ، أربيل، العراق ، 1435هـ ، 2014م .

    2 ) انظر : عبد اللطيف الجوهري ، الشاعر محمد إقبال وخطابه لأمة العرب ، على موقع الألوكة للدراسات والبحوث http://www.alukah.net/culture/0/47968/

    3 ) الأستاذ عبد الباقي يوسف ، سوري من أصل كردي ، من مواليد الحسكة في سورية ، عام 1964م ، وقد أصدر سبعة أعمال روائية ومجموعات قصصية ، وله موسوعة المعرفة في ثلاثة أجزاء . انظر موقع القصة السورية ، http://www.syrianstory.com/youssef.htm

    4 ) ص89 ، الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن .

    5 ) ص139 ، الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    6 ) استقبال النص عند العرب ، د.محمد المبارك ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1999م ، ص220.

    7 ) ص92 الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    8 ) ص47 الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    9 ) هناك علوم منبثقة من القرآن مثل علم القراءات والتفسير وأسباب النزول .. إلخ ، وهناك علوم متعلقة بالقرآن مثل علوم اللغة والفقه وأصوله . نظرة في نشأة القرآن وعلومه ، د. مساعد بن سليمان الطيار على موقع :
    http://www.attyyar.net/container.html?fun=artview&id=465

    10 ) ص85 الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    11 ) ص5 . الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    12 ) ص7 . الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    13 ) سورة الإسراء ، الآية 82

    14 ) تفسير ابن كثير للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير ، ، دار طيبة ، الرياض ، 1422هـ ، 2002م ، ج5 ، ص113 .

    15 ) ص23الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    16 ) ص78 المصدر نفسه

    17 ) ص11 الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    18 ) ص82 المصدر نفسه

    19 ) سورة الذاريات ، الآية 21 .

    20 ) تفسير ابن كثير ، تفسير الذاريات ، الآية 21 .

    21 ) ص15 الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    22 ) ص22 . الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    23 ) ص69 . المصدر نفسه

    24 ) ص72 . المصدر نفسه

    25 ) ص123 المصدر نفسه

    26 ) ص20 . المصدر نفسه

    27 ) ص33 المصدر نفسه

    28 ) ص40 المصدر نفسه

    29 ص50 . الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    30 ) سورة البقرة ، الآية 26 .

    31 ) ص53 الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    32 ) سورة الحشر ، الآية 21 .

    33 ) ص140 الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    34 ) ص28 . المصدر نفسه

    35 ) ص82 الارتقاء في درجات تلقي معاني القرآن

    36 ) ص155 المصدر نفسه
    إقرأ المزيد...